الصفدي
187
الوافي بالوفيات
الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة وصورة بعد أخرى ما دامت معه ذنوبه وطاعاته وهذا عين القول بالتناسخ الثالثة حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع وهو العقل الفعال الذي تفيض منه الصور على الموجودات وإياه عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك بك أعز وبك أذل وبك أعطي وبك أمنع فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه فيرونه كمثل القمر ليلة البدر فأما واهب العقل فلا يرى البتة وقال أحمد بن حائط إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم وفي كل أمة رسول من نوعها لقوله تعالى وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ولهما طريقة أخرى في التناسخ وكأنهما مزجا كلام التناسخية الفلاسفة والمعتزلة بعضه ببعض وكان في زمانهما أحمد بن أيوب بن مانوس وهو أيضا من تلامذة النظام قال مثل ما قال ابن حائط في التناسخ وخلق البرية دفعة إلا أنه زاد على ذلك وقد تقدم ذلك في ذكر اسمه نسأل الله تعالى السلامة والعصمة من هذه الأضاليل والنجاة من هذه الأباطيل ومن مذهب أحمد وفضل أن الديار خمس داران للثواب إحداهما فيها أكل وشرب وبعال وجنات وأنهار والثانية دار فوق هذه ليس فيها أكل وشرب وبعال بل ملاذ روحانية وروح ) وريحان غير جسمانية والثالثة دار العقاب المحض وهي نار جهنم ليس فيها ترتيب بل هي على نمط التساوي والرابعة دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى الدنيا وهي الجنة الأولى والخامسة دار الابتلاء التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى وهذا التكوير والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان مكيال الخير ومكيال الشر فإذا امتلأ مكيال الخير صار اعمل كله طاعة والمطيع خيرا صالحا فينقل إلى الجنة ولم يلبث طرفة عين فإن مطل الغني ظلم وفي الخبر أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شريرا محضا فينقل إلى النار ولم يلبث طرفة عين وذلك قوله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون